قاسم السامرائي
326
علم الاكتناة العربي الإسلامي
ويؤيد هذا قول مالك بن أنس المتوفى سنة 179 ه في وصف مصحف جده الذي نسخ في عهد عثمان بن عفان رضي اللّه عنه ، فقال : « فرأينا خواتمه من حبر على عمل السلسلة في طول السطر ، ورأيته معجوم الآي » « 1 » . غير أن الجاحظ يذكر : أنّ المداد كان يجلب من الصين « 2 » ، وأورد النديم : أنّ للصين مدادا يركبونه من أخلاط يشبه الدهن الصيني ، رأيت منه شيئا على مثال الألواح مختوما عليه صورة الملك ، تكفي القطعة الزمان الطويل مع مداومة الكتابة « 3 » ، ومعنى هذا أن المداد الصيني كان يصدّر على شكل قوالب إلى بغداد فتحلّ بالماء فتكون جاهزة للكتابة . وهذا هو المداد الذي اختلط مسماه مع الحبر ، فكان يستعمل في الكتابة على البردي والكاغد والرق ، وهو يتصف بشدة السواد والبريق واللمعان وكان يصنع من العفص والزاج والصمغ والصناج الدهني ، حتى إن بعض العلماء ؛ كان يفضل كتابة الحديث النبوي الشريف في الرق بدلا من البردي أو الكاغد ، وبالحبر دون المداد ، فقد رفض قاضي الكوفة أحمد بن بديل اليامي المحدّث المتوفى سنة 258 ه « 4 » أن يكتب حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في قرطاس بمداد ، واشترط أن يكتب في رقّ بحبر بحضرة المعتز العباسي ، فقال للمعتز حين أخذ الكاتب القرطاس والدواة ليكتب ما يملي عليه : أتكتب حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في قرطاس بمداد ؟ قال : فيما نكتب ؟ قلت : في رقّ بحبر « 5 » ، فكان له ما أراد ، وتوفي المعتز باللّه في سنة 255 ه .
--> ( 1 ) A . Grohmann , The problem of dating early Qur ns , p . 229 . ( 2 ) التبصر بالتجارة ، تح حسن حسني عبد الوهاب ، ط 2 القاهرة 1935 ، 26 . ( 3 ) الفهرست 19 . ( 4 ) انظر عنه : سير أعلام النبلاء 12 / 331 ( 5 ) تاريخ بغداد 4 / 51 .